عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

25

اللباب في علوم الكتاب

فإن قوله : « كرام » صفة ل « جيران » ، وزاد بينهما « كانوا » ، وهي رافعة للضمير ، ومن منع ذلك تأول « لنا » خبرا مقدما ، وجملة الكون صفة ل « جيران » . والثاني : أن « كان » غير زائدة ، بل يكون « كبيرة » خبرا لمبتدأ محذوف ، والتقدير : وإن كانت لهي كبيرة ، وتكون هذه الجملة في محلّ نصب خبرا لكانت ، ودخلت لام الفرق على الجملة الواقعة خبرا . وهو توجيه ضعيف ، ولكن لا توجه هذه القراءة الشّاذة بأكثر من ذلك . [ والضمير في « كانت » فيه وجهان : الأول : أنه يعود على القبلة ؛ لأن المذكور السابق هو القبلة . والثاني : يعود إلى ما دلّ عليه الكلام السّابق ، وهو مفارقة القبلة ، والتأنيث للتولية أي : وإن كانت التولية ؛ لأن قوله تعالى : « ما وَلَّاهُمْ » يدل على القولية ، ويحتمل أن يكون المعنى : وإن كانت هذه الفعلة نظيره « فبها ونعمت » . ومعنى « كبيرة » ثقيلة شاقّة مستنكرة . وقوله تعالى : كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ [ الكهف : 5 ] ] « 1 » . قوله : « إِلَّا عَلَى الَّذِينَ » متعلق ب « كبيرة » ، وهو استثناء مفرغ . فإن قيل : لم يتقدم هنا نفي ولا شبهة ، وشرط الاستثناء المفرغ تقدم شيء من ذلك . فالجواب : أن الكلام وإن كان موجبا لفظا فإنه في معنى النفي ؛ إذ المعنى أنها لا تخف ولا تسهل إلا على الذين ، وهذا التأويل بعينه قد ذكروه في قوله : وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ [ البقرة : 45 ] . وقال أبو حيان : [ هو استثناء من مستثنى محذوف تقديره : وإن كانت لكبيرة على النّاس إلا على الذين ] « 2 » وليس استثناء مفرغا ؛ لأنه لم يتقدمه نفي ولا شبهة ، وقد تقدم جواب ذلك [ واستدل الأصحاب رحمهم اللّه - تعالى - بهذه الآية على خلق الأعمال ] « 3 » . قوله : « وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ » في هذا التركيب وما أشبهه [ مما ورد في القرآن وغيره ] نحو : وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ [ آل عمران : 179 ] ، ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ [ آل عمران : 179 ] قولان : أحدهما : قول البصريين ؛ وهو أن خبر « كان » محذوف ، وهذه اللام تسمى لام الجحود ينتصب الفعل بعدها بإضمار « أن » وجوبا ، فينسبك منها ومن الفعل مصدر منجرّ بهذه « اللام » ، وتتعلق هذه اللام بذلك الخبر المحذوف .

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) سقط في ب .